فهرس الكتاب
فعلى هذا لا يفسد العقد عند الإمام الشافعي بالقصد الحرام، لأنه إنّما يأخذ بالظاهر، إلا إنْ صرح بهذا القصد في العقد، إذ يفسد العقد حينئذ لخروجه عمّا هو له صراحةً، ومناقضته لمقتضى العقد وغرضه. أمّا إن كان ذلك التصريح سابقًا للعقد، فالعقد صحيح.
يقول الإمام الشافعي في الأم ( ولا يفسد عقد إلاّ بالعقد نفسه، لا يفسد بشيء تقدَّمه ولا تأخره، ولا بتوهم، ولا بأغلب0000) (1) .
الحنفيّة: نحا الحنفيّة منحى الشافعية، فلم يفسدوا عقدًا بقصد محرّم إلا إن دلَّت صيغة العقد عليها. يقول الحصكفي على سبيل المثال في عقد المحلِّل، أي الذي يتزوج المطلقة ثلاثًا بغرض تحليلها لزوجها السابق: ( وأمّا إذا أضمرا ذلك ـ أي غرض التحليل ـ لا يكره، وكان الرجل مأجورًا لقصد الإصلاح، وتأويل اللعن إذا شرط الأجر) (2)
وقد يظن بأن موقف الحنفيّة هذا تجاه العقود يعارض القاعدة التي اعتمدوها من أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني. وليس في ذلك معارضة، لأن مراد الحنفيّة من تلك القاعدة أن العبرة في تكييف العقود بالمدلول الذي يُفهم من العبارات التي أنشئ بها العقد، لا بظاهر اللفظ ذاته، وليس مرادهم باعث العاقد ونيّته، أي إنهم يرتِّبون نوع العقد على مدلول اللفظ الذي أنشئ به العقد، لا على ظاهره، فلو قال العاقد مثلًا: وهبتك هذا الكتاب بمائة. فقال الآخر: قبلت. فقد قال الحنفيّة بأن العقد هنا عقد بيع لا عقد هبة، مع أن الإيجاب صريح بلفظ الهبة لا البيع، فمع ذلك حكم على هذا العقد بأنه بيع، لأنّ كُلًا من الهبة والبيع يفيد التملك، وفارق الثاني الأوّل بأنه بعوض. فلمّا ذكر الثمن، دلَّ ذلك على أن مقصود العاقد البيع لا الهبة فكان بيعًا. (3)
(1) الأم للإمام الشافعي، كتاب إبطال الاستحسان: 7/312.
(2) حاشية ابن عابدين: 5/48.
(3) الأشباه والنظائر لابن نجيم:ص242.