فهرس الكتاب
وما يتّصل بمسألتنا ـ وهو بيع العينة من حيث هو حيلة ربوية تشترك في علتها تلك مع بيوع الآجال، أي من حيث هو ذريعة ربوية كما قال ابن عبد البر بعد ذكر العينة بمفهومها الخاص عند مالك: (وتفسير ما ذكره مالك وغيره في ذلك أنها ذريعة ربوية إلى دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل ) (1) ـ فإن بيوع الذرائع الربوية هي في القسم المختلف فيه لا المجتمع عليه، يقول القرافي: الذرائع أقسام، قسم معتبر بالإجماع كحفر بئر في الطريق العام، فإنه ذريعة للوقوع في المهلكة، …وقسم ملغى بالإجماع كمنع زراعة العنب خشية صنعه خمرًا. فهذا باطل باتفاق، وقسم ثالث مختلف فيه كبيوع الآجال. (2)
وهذا القسم الأخير هو الذي توسَّع فيه مالك، وقال فيه بحرمة بيوع الآجال والعينة من حيث هي حيلة ربوية يتوصل بها إلى الربا.
يقول ابن رشد في المقدمات: (أصل ما بني عليه هذا الكتاب ـ أي كتاب بيوع الآجال ـ الحكم بالذرائع، ومذهب مالك القضاء بها والمنع منها، وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحَّة ويتوصل بها إلى استباحة الربا، وذلك مثل أن يبيع الرجل سلعة من رجل بمائة دينار إلى أجل، ثم يبتاعها بخمسين نقدًا، فيكونان قد توصّلا بما أظهراه من البيع الصحيح إلى سلف خمسين دينارًا في مائة إلى أجل، وذلك حرام لا يحلّ ولا يجوز ) (3) .
الإمام الشافعي والذرائع الربويّة:
يمثل الإمام الشافعي الاتجاه الفقهي القسيم للاتجاه المالكي في الذرائع والنيّات، فلا يقيم لها اعتبارًا في الحكم على العقد صحةً وفسادًا، فالإمام الشافعي يقول بجريان أحكام الشريعة على الظاهر، وأن لااعتبار للباطن إلا من حيث الثواب والعقاب.
(1) الاستذكار لابن عبد البر: 9/252.
(2) الفروق للقرافي: 3/266.
(3) المقدمات الممهدات لابن رشد (الجد) : 2/39.