فهرس الكتاب
ثم إنه باستقراء مسائل بيوع الآجال المحرّمة، ومن ضوابطها التي ذكرها الإمام مالك، يتبيّن لنا أن السلعة ترجع إلى بائعها الأوّل، بواسطة أو بغير واسطة، أي أن تملك السلعة ليس مقصودًا حقيقة، بل السلعة أدخلت للتحليل، والقصد الحقيقي هو القرض الربوي.
والأمر مختلف في بيوع العينة بمفهومها الخاص عند المالكية، فالسلعة غالبًا ما تكون مقصودة بالشراء، ولكن مع ذلك دخلها الربا في بعض صورها ومحاذير أخرى فقيل بحرمتها.
أمّا شبهة الربا في بيوع العينة المحرّمة، فلأصل الإمام مالك ومبدئه في البيوع. يقول ابن جزيّ حاكيًا مذهب الإمام مالك، رحمهما الله تعالى: ( أن يقول رجل لآخر: اشتر لي سلعة كذا وأربحك فيها كذا. مثل ان يقول اشترها بعشرة وأعطيك فيها خمسة عشر إلى أجل. فإن هذا يؤدي إلى الربا، لأن مذهب الإمام مالك أنه ينظر إلى ما خرج عن اليد ودخل به ويلغي الوسائط ) (1) .
وقال ابن عبد البرّ (2) بعد أن نقل تحريم العينة عن الإمام مالك وانه المذهب: (وتفسير ما ذكره مالك وغيره في ذلك، أنها ذريعة إلى دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل) (3) . وتحليل ذلك: أن الربا يتسلل إلى بيع العينة بمعناه الخاص عند المالكية من وجهين مع أن تملك السلعة قد يكون مقصودًا.
أمّا الوجه الأوّل: فهو أن بائع العينة استعان بالمشتري على تحقيق مقصوده في دفع مال والحصول على أكثر منه كما سبق من قول الدردير في تعريفه للعينة.
وقد يقال هنا بأن ذلك شأن التجارة، فكل بائع يشتري بقليل ويبيع بكثير !!
(1) القوانين الفقهية:ص 257.
(2) ابن عبد البرّ: يوسف بن عبد الله، ولد بقرطبة سنة 338هـ، فقيه مالكي، محدِّث، مؤرخ، أديب، تولى القضاء، له كتب كثيرة منها: ( الاستيعاب في معرفة الأصحاب ) توفي في شاطبة بالأندلس سنة 463هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي: 18/153.
(3) الاستذكار لابن عبد البرّ: 19/252.