فهرس الكتاب
المؤمنين أوعدهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا بإقامة الحدّ، وفي الآخرة بعذاب الله الذي لا يحُتمل ولا يُطاق، والله يعلم كل شيء، وأنتم لا تعلمون إلا ما قُدّر لكم، فردّوا إليه الأمور ترشدوا، ثم كررّ فضله على عباده سبحانه وأنه رؤوف رحيم، فلولا رحمة الله لما بيّن لكم هذه الأحكام والمواعظ، والحكم الجليلة، ولما أمهل من خالف أمره إلى حين، ثم حذّر المؤمنين من اتباع مسالك الشيطان وطرقه، ومن يفعل ذلك فإن الشيطان يأمر بما تستفحشه الشرائع والعقول من الآثام والذنوب وما تنكره، وفي هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها، مؤكدًا فضله على عباده وأنه لولا هذا الفضل لما تطهّر أحد من اتباع خطوات الشيطان، ولكنه سبحانه رحيم بعباده فهو يطهر من يشاء من عباده ممن يعلم صلاحه، ويعلم حبّه لهذه التزكية، وأنه سميع لأقوال عباده، عليم بمن يستحق منهم الهدى والضلال، ثم نهى أولي الفضل والطَّوْل والصدقة والإحسان من الحلف بأن لا ينفقوا على القرابة والمساكين والمهاجرين، وهي نزلت - كما تقدم - في أبي بكر حين حلف أن يقطع نفقته عن مسطح بن أثاثة لما خاض في الإفك، فوجه هؤلاء الفضلاء أن يعفوا ويصفحوا عمن فعل ذلك، مهيّجًا نفوسهم بسؤاله: ألا يحبون أن يغفر الله لهم إذا عفوا عمن أساء إليهم، فإن الجزاء من جنس العمل، فإذا غفروا وعفوا عمن أساء، فإن الله يعاملهم بالمثل فيتجاوز عن سيئاتهم، ثم حذّر سبحانه الذين يرمون الغافلات من المؤمنات بالفاحشة بأنهم لعنوا في الدنيا والآخرة، وأوعدهم عذابًا عظيمًا لا طاقة لهم به، مذكّرًا إياهم بأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ستشهد عليهم يوم القيامة بما فعلوا بها، عندئذٍ وفي ذلك اليوم فإن الله سيوفيّهم جزاءهم وحسابهم الثابت بعدله الذي لا يقاربه عدل، عندها سيعلمون أن الله هو الحق الظاهر، وأن انحصار الحق في الله تعالى، ثم ذكر عز وجل أن كل خبيث من الرجال والنساء والكلمات والأفعال