فهرس الكتاب
يرشد الله عباده المؤمنين في هذه الآيات إلى توجيهات ربانية حكيمة، فنهاهم عن دخول بيوت غير بيوتهم بغير استئذان من أهلها وسلام عليهم، وينبههم أن ذلك خير لهم، فإن في عدم الاستئذان مفاسد كثيرة، فإن لم يجدوا فيها أحدًا فلا يدخلوها، وإن قيل لهم: ارجعوا، فليرجعوا فالرجوع - في هذه الحالة - أشد تطهيرًا للسيئات، وزيادة للحسنات، مذكرًا إياهم أنه عليم بكل ما يعملون، مطّلع عليه لا تخفى عليه خافية، وسيجازي كل واحد بعمله، وهذا الحكم في البيوت المسكونة، سواء كان فيها متاع للإنسان الداخل أم لا، وفي البيوت غير المسكونة التي لا متاع فيها للإنسان، وأما البيوت غير المسكونة، وهي فيها متاع للإنسان الداخل، فلا بأس بدخولها والانتفاع بما فيها، مؤكدًا علمه سبحانه بكل ما يفعل الإنسان من الأعمال الظاهرة والخفيّة، فلذا شرع لهم ما يحتاجون إليه من الأحكام الشرعية، ومن هذه التوجيهات أمره تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرّم عليهم، فإن وقع شيء من ذلك بغير قصد، فليصرفوا أبصارهم، آمرًا إياهم أيضًا بحفظ فروجهم من رؤيتها ومن الزنا والعياذ بالله، مذكرًا أن ذلك الحفظ أطهر وأطيب وأنمى لأعمالهم؛ فإن من حفظ فرجه وبصره طهّره من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، ومن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، بإنارة بصيرته، وحفظه، وعبّر هنا بـ (من) التبعيضيّة لأنه يجوز النظر في بعض الأحوال كالشهادة والخِطبة وغيرها، ثم لما أمر المؤمنين بغض الأبصار، وحفظ الفروج، أمر المؤمنات بذلك، وزاد بأن لا يظهرن زينتهن كالثياب الجميلة والحلي، وجميع البدن على اختلاف في بعض أجزاء البدن، ولما كانت الثياب الظاهرة لا بد لها منها استثناها من المنهي عن إظهاره، ثم أمرهن أن يسدلن خمرهن على جيوبهن، وفي هذا كمال الاستتار، خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، ثم كرر الشارع الحكيم النهي عن إظهار الزينة إلا لأزواجهن أو آبائهن أو آباء