فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 135

(هذان مثلان ضربهما الله سبحانه وتعالى لنوعي الكفار كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين ناريًا ومائيًا فأما المثل (الأول من هذين المثلين فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أن أعمالهم التي قاموا بها مثل الصدقة والصلة وفك العاني وعمارة البيت وسقاية الحاج ستنفعهم عند الله فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يُرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قَصَدَه ليشرب منه فلما انتهى إليه(لم يجده شيئًا) فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملًا وأنه قد حصل شيئًا فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئًا بالكلية قد قُبل إما لعدم الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالى: { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ...} فاجتمعت فيهم ظلمة البحر اللجي ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة ثم فوق ذلك ظلمة السحب المدلهمة ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم فاشتدت الظلمة جدًا بحيث أن الكائن في تلك الحال {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} مع قربها إليه فكيف بغيرها. كذلك الكفار تراكمت على قلوبهم الظلمات فبقوا في الظلمة متحيرين وفي غمرتهم يعمهون وعن الصراط المستقيم مديرون وفي طريق الغي والضلال يترددون. وهذا لأن الله خذلهم فلم يعطهم من نوره {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} لأن نفسه ظالمة جاهلة فليس له من الخير والنور إلا ما أعطاها مولاها ومنحها ربها...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت