كالراعي الذي عنده علم بالمراعي الحسنة، وعنده نصح وتوجيه للغنم إلى ما فيه خيرها، وما فيه غذاءها وسقاءها.
واختيرت الغنم لأن الغنم صاحبها صاحب سكينة وهدوء والاطمئنان، بخلاف الإبل؛ الإبل أصحابها في الغالب عندهم شدة وغلظة؛ لأن الإبل كذلك فيها الشدة والغلظة، فلهذا اختار الله سبحانه وتعالى لرسله أن يرعوا الغنم، حتى يتعودوا ويتمرنوا على رعاية الخلق.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم رعاها على قراريط لأهل مكة، وموسى عليه الصلاة والسلام رعاها مهرًا لابنه صاحب مدين، فإنه قال: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) (القصص: 27) .
وأما الحديث الثاني: ففيه أيضًا دليل على أن العزلة خيرٌ فيكون الإنسان ممسكًا بعنان فرسه، يطير عليه كلما سمع هيعة، يعني أنه بعيد عن الناس يحمي ثغور المسلمين، مهتم بأمور الجهاد منعزل عن الناس لكنه على أتم استعداد للنفور والجهاد كلما سمع هيعة ركب فرسه فطار به، أي مشى مشيًا مسرعًا.
وكذلك من كان في مكان من الأودية والشعاب منعزلًا عن الناس، يعبد الله عزّ وجلّ، ليس من الناس إلا في خير، فهذا فيه خير.
ولكننا سبق أن قلنا: إن هذه النصوص تُحمل على ما إذا كان في الاختلاط فتنة وشر، وأما إذا لم يكن فيه فتنة وشر؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم، خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.