فهرس الكتاب
وقد مر بنا استعراض ما ذكروه من ذلك، كجمع القرآن ونشره وتدوين علوم القرآن والحديث واللغة، وإيجاد الأربطة والمدارس والمستشفيات والمدارس ; والرد على اعتبار ذلك بدعًا شرعية، وذلك في الرد على الدليل الخامس عشر، وتحدثنا عن كل مسألة من هذه المسائل، وبينا أن لها أصلًا معتبرًا في الشرع، وفي الصدر الأول من الإسلام، وأن إيرادها لتشبيهها بالمولد والاحتفال به، أو تشبيه المولد بها يعتبر مغالطة وسفهًا من المالكي، إن لم يكن ذلك منه جهلًا وضلالا.
وإذا أصر المالكي على أن هؤلاء العلماء الأجلاء يقصدون بتقسيمهم البدعة إلى حسن وقبيح، إجازة إحداث بدع، فنحن أولًا لا نوافقه على إصراره، لأن هؤلاء العلماء الذين ذكرهم مقامًا محمودًا في الاتباع والاقتداء والاهتداء والوقوف عند الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذر من تجاوزها. لهم في ذلك مقام لا يجاريهم فيه إلا أسلافهم من الصحابة والتابعين. وعلى افتراض موافقتنا المالكي على فهمه السيئ عن هؤلاء العلماء الأجلاء ; فكل يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [1] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة". وقال:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". وقال:"من أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
فهذه أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بأخذها وقبولها والعمل بما تقتضيه، وكلها ألفاظ صريحة وواضحة جاءت بلفظ العموم والحصر، فليس فيها تخصيص عموم ولا قيد إطلاق ولا استثناءات ولا تقسيمات.
فبربك أيها المالكي ; أيجوز لنا أن نترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من أمر ونهي وإلزام وتحذير وعموم ; ونقول قال فلان وقال فلان؟.
أين محبتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتشدقك بالتعلق به، والفرح والاستبشار بسيرته وشمائله، والحال أنه صلى الله عليه وسلم ينهي عن البدع والمحدثات، بلفظ العموم والحصر والإختصاص، وتقول: قال
(1) - سورة الحشر، الآية: 7.