فهرس الكتاب
قائمًا، ويلحق الذم من يبين له الحق فيتركه، أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل أو نحو ذلك. وأيضًا فإن الله عاب على المشركين شيئين.
أحدهما: أنهم قد أشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا.
والثاني: تحريمهم ما لم يحرمه الله عليهم.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه مسلم عن عياض بن حمار، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: إني جعلت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل به سلطانًا) ، قال سبحانه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [1] ، فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة، وإما مستحبة، وإن فعلها خير من تركها. ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله، ومنهم من ابتدع دينًا عبدوا به الله في زعمهم، كما أحدثه النصارى من أنواع العبادات المحدثة.
وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين: إما اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم، أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله.
وهذه المواسم المحدثة إنما نهي عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به، كما سنذكره إن شاء الله.
واعلم أن هذه القاعدة - وهي الاستدلال بكون الشيئ بدعة على كراهته - قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها. وذلك: أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة وقبيحة، بدليل قول عمر رضي الله عنه في صلاة التروايح (نعمت البدعة هذه) ، وبدليل أشياء
(1) - سورة الأنعام، الآية: 148.