فهرس الكتاب
من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست بمكروهة، أو هي حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس.
وربما يضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس ; من كثير من العادات ونحوها. فيجعل هذا أيضًا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعًا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده، بمثابة من {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [1] ، وما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها.
والغرض: أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع ; معارضة بما دل على حسن بعض البدع، إما من الأدلة الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين، أو المتأولين في الجملة.
ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان:
أحدهما: أن يقولوا: إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح ; فالقبيح ما نهانا عنه الشرع، أما ما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنًا. فهذا مما قد يقوله بعضهم.
المقام الثاني: أن يُقال عن بدعة سيئة ; هذه بدعة حسنة، لأن فيها من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. والجواب: إما أن القول (أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) والتحذير من الأمور المحدثة ; فهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم.
وإما المعارضات، فالجواب عنها بأحد قولين:
إما بأن يُقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظًا لا خصوص فيه.
وإما أن يُقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من هذا العموم، فيبقى العموم محفوظًا لا خصوص فيه، وإما أن يقال ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم ; والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة
(1) - سورة المائدة، الآية: 104.