فهرس الكتاب
التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك العموم اللفظي موجبًا للنهي.
ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصًا واستنباطًا.
وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم ونحو ذلك ; فليس مما يصلح أن يكون معارضًا لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعارض به.
ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسن مجمع عليها، بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها ; فهو مخطئ في هذا الاعتقاد. فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة. ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟. وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم، كما هي حجة على غيرهم، مع ما أوتوه من العلم والإيمان ; فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العم، ولا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير رويّة أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهيدن من الأئمة والصديقين؟.
والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم أنه ليس طريقة أهل العلم، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين، وقد يبدو لذوي العلم والدين فيها مستند آخر من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله بها وعلمه لها ليس مستندًا آخر من الأدلة الشرعية ; وإن كان شبهة، وإنما هو مستند إلى أمور ليس مأخوذة عن الله ولا عن رسوله، من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان، وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره، ودفعًا لما يناظره.
والمجادلة المحمودة: إنما هي بإبداء المدارك، وإظهار الحجج، التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل، فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل.