فهرس الكتاب
وأيضًا: لا يجوز حمل قوله صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة) على البدعة التي نهى عنها بخصوصها، لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي ; قد علم بذلك النهي أنه قد أبيح محرم، وسواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه، سواء كان مفعولًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن وما نهى عنه ; فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله (كل بدعة ضلالة) ، بمنزلة قوله (كل عادة ضلالة) ، أو (كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة) ، ويراد بذلك أن ما نهي عنه من ذلك فهو الضلالة، وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ; ليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء.
أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإن ما علم أنه منهي عنه بخصوصه
فقد علم حكمه بذلك النهي، وما لم يعلم فلا يندرج في هذا الحديث، فلا يبقى في هذا الحديث فائدة، مع كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يخطب به في الجمع، ويعده من جوامع الكلم.
الثاني: أن لفظ البدعة يكون اسمًا عديم التأثير، فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له ; كسائر الصفات العديمة التأثير.
الثالث: أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر - وهو كونه منهيًا عنه - كتمان لما يجب بيانه، وبيان لما لم يقصد ظاهره، فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص، وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر ; تلبيس محض، لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلسًا، كما لو قال (الأسود) وعني به الفرس أو (الفرس) وعني به الأسود.
الرابع: أن قوله (كل بدعة ضلالة، وإياكم ومحدثات الأمور) ، إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على