فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 168

ما لا يكاد يحيط به أحد، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجوز بحال.

الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه من النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع، فإنك لو تأملت البدع التي نهي عنها بأعيانها، وما لم ينه عنها بأعيانها; وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا يجوز أن يُراد به الصور القليلة أو النادرة.

فهذه الوجوه وغيرها ; توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد، لا يجوز حمل الحديث عليه، سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو لم يعضده، فإن على المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ذلك الحديث، ثم بيان الدليل الصارف إلى ذلك.

وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث، فهذا الجواب عن مقامهم الأول.

وأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: أنه إذا ثبت هذا حسن ; يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة.

فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من إنه حسن وهو بدعة ; إما بأنه ليس بدعة، وإما بأنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث، وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه.

فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، او أمور يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة ; فلا تصلح المعارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصًا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم.

وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين: الدلالة من الحديث باقية، لا ترد بما ذكروا، ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله وسلم الكلية، وهي قوله (كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت