فهرس الكتاب
فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقًا ولم يعمل به بعد موته ; ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة، لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة، ويسمى محدثًا في اللغة. قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة (إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يُعرف) .
ثم إن ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وإن سمى بدعة في اللغة، فلفظ (البدعة) في اللغة أعم من لفظ (البدعة) في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة) لم يُرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل ; فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان كذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا: (إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يُفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ، فعلل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم، وأنه لولا الافتراض لخرج إليهم. فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة - وهي هيئة اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج - عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة، لأنه في اللغة يُسمى كذلك، وإن لم يكن بدعة شرعية، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم، فانتفى المعارض.
وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغيّر الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته