فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 168

صلى الله عليه وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضى للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وسلم، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى هذا في اللغة بدعة، وصار هذا كنفي عمر ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهم من أرض العرب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك في مرضه، فقال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ، وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة، وبشروعه في قتال فارس والروم، وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم، فلما تمكن من ذلك ; فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة، كما قال له اليهود (كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم؟) ، وكما جاءوا إلى علي رضي الله عنه في خلافته فأرادوا منه إعادتهم، وقالوا (كتابك بخطك) فامتنع من ذلك، لأن ذلك الفعل من عمر كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان محدثًا بعده، مغيرًا لما فعله هو صلى الله عليه وسلم.

وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي سيفًا، وقوله: (قاتل به المشركين، فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره) ، فإن كسره لسيفه وإن كان محدثًا حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هو بأمره صلى الله عليه وسلم.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضًا عن دين أحدكم فلا تأخذوه) ، فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن يعينهم على أهوائهم وإن كانت معصية ; كان من امتنع من أخذه متبعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك قبول العطاء من أولى الأمر محدثًا، لكن لما أحدثوا ما أحدثواه أحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هذا الباب: قتال أبو بكر لمانعي الزكاة، فإنه وإن كان بدعة لغوية من حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدًا على إيتاء الزكاة فقط، لكن لما قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) . وقد علم أن الزكاة من حق لا إله إلا الله، فلم يعصم بمجرد قولها من منع الزكاة، كما بينه في الحديث الآخر الصحيح: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة) ، وهذا باب واسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت