فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 168

والضابط في هذا - والله أعلم- أن يُقال إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحة، إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه، فإنه لا يدعوا إليه عقل ولا دين.

فما رآه المسلمون مصلحة نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج إليه أمرًا حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم من غير تفريط منا ; فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك تركه إن كان المقتضى لفعله قائمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض قد زال بموته.

وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد ; فهنا لا يجوز الإحداث. فكل أمر يكون المقتضى لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودًا لو كان مصلحة ولم يفعل ; يعلم أنه ليس بمصلحة.

وأما ما حدث المقتضى له بعد موته من غير معصية الخالق ; قد يكون مصلحة. ثم هنا للفقهاء طريقان:

أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم يُنه عنه. وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.

والثاني: أن ذلك لا يفعل ما لم يُؤمر به. وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة. وهؤلاء ضربان:

منهم من لا يثبت الحكم إن لم يدخل تحت دليل من كلام الشارع أو فعله أو إقراره، وهم نفاة القياس.

ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه، وهو القياسيون.

فاما ما كان المقتضى لفعله موجودًا لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله تعالى، وإنما أدخله فيه من نسب إلى تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى الله عليه سلم وغير واحد من الصحابة (إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، أو جدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) .

فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلًا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر الله، ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت