فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 168

وهذان المعنيان مَن فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع المحدثة، فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم

من السنّة مثلها).

وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم، وبيّنت أن الشرائع أغذية القلوب، فمتى ما اغتذت القلوب بالبدع لم يبقَ فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث. وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعًا من السسيات الجائرة، من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز، لأنهم فرّطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، و وضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله لا رياسة أنفسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحررين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله ; لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم.

وكذلك العلماء إذا اقاموا كتاب الله، وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم وهي سنته ; لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [1] ، ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون من الحجج الفاسدة، التي يزعم الكلاميون أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنهم يتمون به فروع الدين، وما كان من الحجج صحيحًا، ومن الرأي سديدًا فذلك له أصل في كتاب الله وسنّة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه.

وكذلك العباد ; إذا تعبّدوا بما شرع الله من الأقوال والأعمال ظاهرًا وباطناُ، وذاقوا طعم الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله ; لوجدوا في ذلك من الأحوال الزكية، والمقامات العلية، والنتائج العظيمة ; ما يغنيهم عما قد حدث في نوعه، كالتغيير ونحوه من السماعات المبتدعة الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد لفّقها

(1) - سورة البقرة، الآية: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت