فهرس الكتاب
بعض الناس، أو في قدره كزيادات من التعبّدات أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بالمشروع منها، وإن كان كثير من العباد والعلماء بل والأمراء قد يكون معذورًا فيما أحدثه لنوع اجتهاد.
فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح، وإن كان التارك له قد يكون معذورًا لاجتهاده، بل قد يكون صديقًا عظيمًا، فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحًا، وعمله كله سنّة، إذ قد يكون بمنزلة رسول الله صلى الله عليه و
سلم، وهذا باب واسع.
والكلام في أنواع البدع وأحكامها وصفاتها لا يتسع له هذا الكتاب، وإنما الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح الذي ذكرناه، و التعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع مما يجب العمل بها.
والوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة: ما تشتمل عليه من الفساد في الدين، واعلم أنه ليس كل واحد ; بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذا النوع من البدع، ولا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد، والواجب على الخلق اتباع الكتاب والسنّة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة، فننبّه على بعض مفاسدها.
فمن ذلك ; أن من أحدث عملًا في يوم، كإحداث صوم أول خميس من رجب، والصلاة في ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب مثلًا، وما يتبع ذلك من إحداث أطعمة وزينة، وتوسيع في النفقة، ونحو ذلك ; فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب.
وذلك ; لأنه يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب فيه اسحبابًا زائدًا على الخميس الذي قبله، والذي بعده مثلًا، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من ليالي الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع، خصوصًا، وسائر الليالي عمومًا، إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه أو في قلب متبوعه ; لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة، فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع.
وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم، ونص على تأثيره، فهو من المعاني المناسبة المؤثرة، فإن مجرد المناسبة مع الاقتران يدل على العلة عند من يقول بالمناسب الغريب، وهم كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، ومن لا يقول إلا بالمؤثرة ; فلا يكتفى بمجرد المناسبة، حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم،