فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 168

وهو قول كثير من الفقهاء أيضًا من أصحابنا وغيرهم. وهؤلاء إذا رأوا أن في الحكم المنصوص معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم، في موضوع آخر، عللوا ذلك الحكم المنصوص به.

وهنا قول ثالث قاله كثير من أصحابنا وغيرهم أيضًا وهو: أن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به، ولا يكتفى بكونه علل به نظيره أو نوعه.

وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة:

أنا إذا رأينا الشارع قد نص على الحكم ودل على علته، كما قال في الهرة (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) .

فهذه العلة تسمى المنصوصة أو المومى إليها، علمت مناسبتها أو لم تعلم، فيعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاث، وإن اختلفوا: هل يسمى هذا قياسًا، أولا يسمى؟.

ومثاله في كلام الناس: ما لو قال السيد لعبده: لا ُتدخل داري فلانًا، فإنه مبتدع، أو فإنه أسود ونحو ذلك، فإنه يفهم منه: أنه لا يُدخل داره من كان مبتدعًا، أو من كان أسود. وهو نظير أن يقول: لا تدخل داري مبتدعًا ولا أسودا. ولهذا نعمل نحن بمثل هذا من باب الإيمان، فلو قال: لا لبست هذا الثوب الذي يمنّ به عليّ فلان ; حنث بما كانت منته فيه مثل منته وهو ثمنه ونحو ذلك.

وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ولم يذكر علته، لكن قد ذكر علة نظيره أو نوعه، مثل أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها، وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها لكونها صغيرة، فهل نعتقد أن علة النكاح هي الصغر مثلًا؟. كما أن ولاية المال كذلك، أم نقول: بل قد يكون لنكاح الصغيرة علة أخرى، وهي البكارة مثلًا، فهذه العلة هي المؤثرة. أي قد بين الشارع تأثيرها في حكم منصوص، وسكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم.

فالفريقان الأولان يقولان بها، وهو في الحقيقة إثبات للعلة بالقياس، فإنه يقول: كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان، كذلك يؤثر فيه في هذا المكان.

والفريق الثالث: لا يقول بها إلا بدلالة خاصة، لجواز أن يكون النوع الواحد من الأحكام له علل مختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت