فهرس الكتاب
ومن هذا النوع: أنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الرجل على بيع أخيه، أو أن يسوم الرجل على سوم أخيه، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه) .
فيعلل ذلك بما فيه من فساد ذات البين، كما علل به في قوله: (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ; ذلك ; قطعتم أرحامكم) . وإن كان هذا المثال يظهر التعليل فيه مالا يظهر في الأول ; فإنما ذاك لأنه لا يظهر فيه وصف مناسب للنهي إلا هذا.
وأكبر دليل خاص على العلة ونظيره من كلام الناس ; أن يقول: لا تعط هذا الفقير فإنه مبتدع، ثم يسأله فقير آخر مبتدع، فيقول: لا تعطه، وقد يكون ذلك الفقير عدوًا له، فهل يحكم بأن العلة هي البدعة، أم يتردد؟ لجواز أن تكون العلة هي العداوة.
وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم، ورأينا فيه وصفًا مناسبًا له، لكن الشارع لم يذ كر تلك العلة، ولا علل بها نظير لك الحكم في موضوع آخر ; فهذا هو الوصف المناسب الغريب، لأنه لا نظير له في الشرع، ولا دل كلام الشارع وإيماؤه عليه.
فجوز الفريق الأول اتباعه، ونفاه الآخران. وهذا إدراك لعلة الشارع، بنفس عقولنا من غير دلالة منه، كما أن الذي قبله إدراك لعلته بنفس القياس على كلامه، والأول إدراك لعلته بنفس كلامه.
ومع هذا فقد تعلم علة الحكم المعين بالسبر، وبدلالت أخرى.
فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع، المؤثرة في موضوع آخر.
وذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو صيام، وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص.
فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو يومًا بعده) . وهذا لفظ البخاري.
وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟، قالت: لا. قال: أتردين أن تصومي غدًا؟. قالت: لا، قال: فافطري) .