فهرس الكتاب
وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال: (سألت جابر بن عبدالله وهو يطوف بالبيت: أنَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟، قال: نعم، ورب البيت) وهذا لفظ مسلم.
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تصوموا يوم الجمعة
وحده)رواه أحمد.
ومثل هذا ما أخرجناه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصم ذلك اليوم) ، لفظ البخاري (يصوم عادته) .
فوجه الدلالة: أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام:
قسم شرع تخصيصه بالصيام، إما إيجابًا: كصيام رمضان، وإما استحبابًا: كيوم عرفة وعاشوراء.
وقسم نهى عن صومه مطلقاُ: كيوم العيدين.
وقسم إنما نهى عن تخصيصه: كيوم الجمعة وشهر شعبان.
فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره، فإذا خصص بالفعل نهي عن ذلك، سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده، وسواء اعتقد بالرجحان أو لم يعتقده.
ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره ; لكان إما أن ينى عنه مطلقًا كيوم العيد، أو لا ينهى عنه كيوم عرفة، وتلك المفسدة ليست موجودة في سائر الأوقات، وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة.
فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خصيصة له، كما أشعر به لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن نفس الفعل المنهي عنه أو المأمور به ; قد يشتمل على حكمة الأمر والنهي، كما في قوله: (خالفوا المشركين) .
فلفظ النهي عن تخصيص وقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص، فإذا كان يوم الجمعة يومًا فاضلًا ; يستحب فيه من الصلاة والدعاء والذكر والقرآءة والطهارة والطيب والزينة مالا يستحب في غيره ; كان ذلك في مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره، ويعتقد أن قيام ليلته كالصيام في نهاره، لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التخصيص دفعًا لهذه لمفسدة التي لا تنشأ إلا من التخصيص.