فهرس الكتاب
وكذلك تلقي رمضان ; قد يتوهم أن فيه فضلا، لما فيه من الاحتياط للصوم، ولا فضل فيه في الشرع، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقيه لذلك.
وهذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن الناس قد يخصون هذه المواسم لاعتقادهم فيها فضيلة، ومتى كان تخصيص هذا الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك ولا فضل فيه ; نهي عن التخصيص، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص.
ومن قال: إن الصلاة والصوم في هذه الليلة كغيرها ; هذا اعتقادي، ومع ذلك أنا أخصها; فلا بد أن يكون باعثه إما تقليد غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم له، ونحو ذلك، وإلا هو كاذب. فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك عن الاعتقاد الفاسد، أو عن باعث آخر غير ديني. وذلك الاعتقاد ضلال.
فإنا قد علمنا يقينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة لم يذكروا في فضل ها اليوم ولا في فضل صومه بخصوصه، وفضل قيام هذه الليلة بخصوصها حرفًا واحدًا، وأن الحديث المأثور فيها موضوع، وأنها إنما حدثت في الإسلام بعد المائة الرابعة.
ولا يجوز - والحال هذه - أن يكون لها فضل. لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر الأئمة ; امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلمه التبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة، ولا التابعون وسائر الأئمة. وإن علموه امتنع مع توفر دواعيهم على العمل الصالح، وتعليم الخلق والنصيحة ; أن لا يعلموا أحدًا بهذا الفضل، ولا يسارع إليه واحد منهم.
فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزمًا لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين الله، أو لكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعادتهم أن لا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحد من اللازمين منتف: إما بالشرع، وإما بالعادة مع الشرع ; علم انتفاء الملزوم، وهو الفضل المدعى.
ثم هذا العمل المبتدع مستلزم: إما لاعتقاد هو ضلال في الدين، أو عمل دين لغير الله، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله ; لا يجوز.