فهرس الكتاب
فهذه البدع وأمثالها مستلزمة قطعًا أو ظاهرًا لفعل ما لايجوز، فأقل أحوال المستلزم إن لم يكن محرمًا أن يكون مكروهًا. وهذا المعنى سار في سائر البدع المحدثة.
ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب من التعظيم والإجلال، وتلك الأحوال أيضًا باطلة، ليست من دين الله.
ولو فرض أن الرجل قد يقول: أنا لا أعتقد الفضل، فلا يمكنه مع التعبد أن يزيل الحال الذي في قلبه من التعظيم والإجلال. والتعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد، ولو أنه توهم أو ظن أن هذا الأمر ضروري، فإن النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيئ ; امتنعت مع ذلك أن تعظمه، ولكن قد تقوم به خواطر متقابلة.
فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة ; يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه، ومن حيث شعوره بما روي فيه، أو بفعل الناس له، أو بأن فلانًا وفلانًا فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة ; يقوم بفعله وتعظيمه.
فعلمت أن فعل هذه البدع تناقض الاعتقادات الواجبة، وتنازع الرسل ما جاءوا به عن الله، وأنها تورث القلب نفاقًا، ولو كان نفاقًا خفيفًا.
ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل، أو عبدالله بن أبي سلول ; لرياسته وماله ونسبه وإحسانه إليهم وسلطانه عليهم، فإذا ذمه الرسول أو بيّن نقصه، أو أمر بقتله ; فمَن لم يخلص إيمانه، وإلاَّ يبقى في قلبه منازعة بين طاعة الرسول التابعة لاعتقاده الصحيح، واتباع ما في نفسه من الحال التابع لتلك الظنون الكاذبة.
فمن تدبر هذا ; علم يقينًا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان، ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر.
وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع من أنواع العبادات، التي لا مزية لها في الشرع، إذا جاز أن يتوهم لها مزية، كالصلاة عند القبور، والذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل معتقدًا للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية. وكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضًا.
فإن قيل: هذا يعارضه: إن هذه المواسم مثلًا فعلها قوم من أولي العلم والفضل الصديقين فمن دونهم، وفيها من الفوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه، من طهارة قلبه ورقته، وزوال آثار الذنوب عنه، وإجابة دعائه ونحو ذلك، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل