فهرس الكتاب
الصلاة والصيام، كقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة نور وبرهان) ، ونحو ذلك.
قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولًا مجتهدًا أو مقلدًا; كان له أجر على حسن قصده، وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدع مغفورًا له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها، إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه ; كالصوم، والذكر، و القرآءة، والركوع والسجود، وحسن القصد في عبادة الله، وطاعته ودعائه، وما اشتملت عليه من المكروه، وانتفى موجبه بعفو الله، لا اجتهاد صاحبه أو تقليده. وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة.
لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها، والاعتياض عنها بالمشروع الذي لابدعة فيه. كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك ; بل اليهود والنصارى يجدون في عبادتهم أيضًا فوائد. وذلك ; لأنه لابد أن تشتمل عبادتهم على نوع ما مشروع في جنسه، كما أن قولهم لابد أن يشتمل على صدق ما مأثور عن الأنبياء، ثم مع ذلك لا يوجب أن تفعل عباداتهم أو تروى كلماتهم، لأن جميع المبتدعات لابد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من خير، إذ لو
كان خيرها راجحًا لما أهملتها الشريعة.
فنحن نستدل بكونها بدعة على أن أثمها أكبر من نفعها، وذلك هوالموجب للنهي.
وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص ; لمعارض الاجتهاد أو غيره، كما يزول اسم الربا والنبيذ المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالهما، وأن لا يقتدى بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم المبين لحقيقتها.
وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة.
ثم يُقال على سبيل التفصيل: إذا فعلها قوم ذوو فضل، فقد تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين لكراهتها، وأنكرها قوم كذلك، وهؤلاء التاركون
(1) - سورة إقرأ، الآية: 9، 10.