فهرس الكتاب
وسلم في ليلة حولية من كل عام يعتبر ضربًا من الهجران والصدود والغفلة، وذلك حينما لا نذكر ولا نعرف شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما في حياته من جوانب إشراق إلا بعد مضي ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما.
الوقفة الثانية: عند حديث تخفيف العذاب عن أبي لهب:-
لقد تناول العلماء هذا الحديث بالشرح والتعليق، واستنباط ما يمكن أن يدل عليه
من أحكام وفوائد، فلم يستدل به واحد منهم على مشروعية الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .لا شك أن ولادته صلى الله عليه وسلم كانت أول فتح من الخير على هذه الأمة، وحصل في ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم أمور كانت إنذرًا لعناصر الشر ودول الباطل، إلا أن ذلك
(1) - جاء في كتاب الشيخ أبي بكر الجزائري"الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف"الرد على الاحتجاج بعتق ثويبة مولاة أبي لهب، ودعوى التخفيف على أبي لهب بذلك لاستبشاره بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
الشبهة الأولى: في الأثر التاريخ وهو ما روي من أن أبا لهب الخاسر رؤي في المنام فسُئل فقال: إنه يعذب في النار إلا أنه يخفف عنه كل ليلة اثنين، ويمص من بين أصبعيه ماء بقدر هذا، وأشار إلى رأس أصبعه، وأن ذلك كان له بسبب إعتاقه جاريته ثويبة لما بشرته بولادة محمد صلى الله عليه وسلم لأخيه عبدالله بن عبدالمطلب وبإرضاعها له صلى الله عليه وسلم. وردّ هذه الشبهة وإبطالها من أوجه:-
1 -أن أهل الإسلام مجمعون أن الشرع لا يثبت برؤى الناس المنامية، مهما كان ذو الرؤيا في إيمانه وعلمه وتقواه، إلا أن يكون نبي الله، فإن رؤيا الأنبياء وحي، والوحي حق.
2 -أن صاحب هذه الرؤيا هو العباس بن عبدالمطلب، والذي رواها عنه رواها بالواسطة، فالحديث إذًا مرسل، والمرسل لا يُحتج به، ولا تثبت به عقيدة ولا عبادة، مع احتمال أن الرؤيا رآها العباس قبل إسلامه، ورؤيا الكافر حال كفره لا يُحتج بها إجامعًا"اهـ. [انظر ص 30 - 31] ."
3 -أكثر أهل العلم من السلف والخلف على أن الكافر لا يُثاب على عمل صالح عمله إذا مات على كفره وهو الحق لقول الله تعالى {وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباءًا منثورًا} ، وقوله عز وجل {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا} ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سألته عائشة رضي الله عنها عن عبد الله ابن جدعان الذي كان يذبح كل موسم حج ألف بعير، ويكسو ألف حلة، ودعا إلى حلف الفضول في بيته، هل ينفعه ذلك يا رسول الله؟ فقال: لا، لأنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وبهذا يتأكد عدم صحة هذه الرؤيا، ولم تصبح شاهدًا ولا شبهة أبدًا.
4 -إن الفرح الذي فرحه أبو لهب بمولود لأخيه فرح طبيعي لا تعبدي، إذ كل إنسان يفرح بالمولود يولد له أو لأحد إخوته أو أقاربه، والفرح إن لم يكن لله لا يُثاب عليه فاعله، وهذا يضعف هذه الرواية ويبطلها، مع أن فرح المؤمن بنبيّه قائم بنفسه لا يفارقه أبدًا، لأنه لازم حبه، فكيف نحدث له ذكرى سنوية نستجليه بها. اللهم إن هذا معنى باطل، وشبهة ساقطة لا قيمة لها ولا وزن، فكيف يثبت بها إذًا شرع لم يشرعه الله لا عن عجز ولا عن نسيان، ولكن رحمة بعباده المؤمنين، فله الحمد وله المنة"اهـ. [انظر ص 40 - 41] ."