فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 168

بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يختلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.

والثانية: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية، أو دليل شرعي كلي، إذا تكررت في مواضع كثيرة، وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تخصيص ولا تقيد مع تكرارها وإعادة تقررها، فدل ذلك على بقائها على مقتضى لفظها من العموم، كقوله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [1] ، وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك، فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى، وبحسب الأحوال المختلفة.

إن كل بدعة ضلالة، وإن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية منها، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على العموم وإطلاقها.

والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم، على ذمها كذلك وتقبيحها، والهروب عنها وعمن اتسم بشيئ منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف و لا مثنوية، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.

الرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لأنه من باب مضادة الشارع، وإطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، و أن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشقة الشارع، وقد تقدم بسط هذا في أول الباب الثاني. وأيضًا فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع، أو استثناء بعضها عن الذم ; لم يتصور، لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة، من غير أن تكون كذلك، وكون الشارع يستحسنها دليل مشروعيتها، إذ لو قال الشارع المحدثة الفلانية حسنة، لصارت مشروعة، كما أشاروا إليه في الاستحسان، حسبما يأتي إن شاء الله. ولمّا ثبت ذمها، ثبت ذم صاحبها، لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذًا المذموم على الحقيقة، والذم

(1) - سورة النجم، الآية: 38، 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت