فهرس الكتاب
:"نعمت البدعة هذه". وروي عنه أنه قال:"إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة". وروي أن أبيّ بن كعب قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر:"ولكنه حسن". ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها. فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان، و يرغّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن يُكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده صلى الله عليه وسلم. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم. ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقرّه علي، واستمرعمل المسلمين عليه". إلى أن قال:"وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناد عن إبراهيم بن الجنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنّة فهو محمود، وما خالف السنّة فهو مذموم. واحتج بقول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه. ومراد الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه من قبل، أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة يرجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنّة، يعني ما كان لها أصل من السنّة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعا، لموافقتها السنّة، إلى آخر ما ذكره" [1] ."
وقال ابن حجرالعسقلاني في كتابه (فتح الباري شرح صحيح البخاري) من كتاب
الاعتصام، في معرض شرحه حديث:"إن أحسن الحديث كتاب الله"، ما نصه:
"والمحدَثات بفتح الدال جمع محدَثة، والمراد منها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة. وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيئ أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا. وكذا القول في المحدَثة، وفي الأمر المحدَث الذي ورد في حديث عائشة رضي الله عنها:"من أحدَث في أمرنا هذا ما
(1) - جامع العلوم والحكم، ص 233 - 235.