فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 168

عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد بنيته مخالفة لما كانوا عليه.

قلت: وليته يسلم من المناظرة والمفاخرة والرياء والتكلف، ومهما علم بقرائن الأحوال أن الباعث على ذلك ما ذكرناه، كره أكل ذلك الطعام لأن النبي صلى الله

عليه وسلم نهى عن أكل طعام المتبارزين. وقد يكون الباعث على ذلك التعرف بالكبار الذين يدعونهم من القضاة والأمراء والمشائخ، وقد يكون الباعث لبعض المشائخ طلب التوسعة على نفسه بما يفضل عن حاجته، مما يحمل الناس إليه بسبب المولد على نوع المساعدة أو الهدية أو الحياء أو المناظرة لأقرانه من محبي الشيخ واتباعه ونحو ذلك. وقد يكون من أهل الشر وممن يتقى لسانه، ويخشى غضبه، فيفعل المولد ليحمل إليه ضعفاء القلوب، ومن يخاف منه ما تصل قدرته إليه خوفًا من ذمه وطول لسانه في عرضه، وتسببه في أذى يصل إليه ونحو ذلك. وقد يكون الباعث خلاف ذلك مما لا ينحصر لتنوع المقاصد الفاسدة واختلافها، فهو يظهر أن قصده إكرام النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والسرور بمولده، والتصدق بما يفعل على الفقراء، وباطن قصده خلاف ذلك، مما ذكر، وهذا نوع من النفاق ولو كان ذلك الفعل قربة في نفسه، لصار بذلك القصد الباطل من أسباب البعد، يأثم به فاعله وحاضره والساكت عن إنكار ما تحقق منه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" [1] . اهـ."

إننا بتأملنا ما أوردناه من نقول لأهل العلم، ممن يُعتد بهم ويُعترف لهم بالفضل والتقى والصلاح وسلامة الاتجاه وصحة المعتقد، فضلًا عما أوتوه من بسطة في العلم والفهم والإدراك، بتأملنا ما ذكروه يتضح لنا جليًا وضوح العموم في تبديع كل محدثة، حتى لو كان ظاهرها حسنًا ومقبولًا، وتنجلي عنا شبهة القول بتقسيم البدعة إلى مذموم ومحمود، أو إلى حسنة وسيئة، وأن مقصود بعض سلفنا الصالح بالبدعة المقبولة عنده البدعة بمدلولها اللغوي فقط، وأما البدعة بمفهومها الشرعي فهي مرفوضة ومردودة على أصحابها، وهي ضلالة وفي النار كما ذكر ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

ولو أردنا أن نستزيد من أقوال أهل العلم في الحديث عن البدعة والتحذير منها،

(1) - تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، ص 381 - 382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت