فهرس الكتاب
وتسفيه القول بتقسيمها إلى حسن وسيئ ومذموم وممدوح، لاستطعنا أن نسجل أسفارًا من ذلك، ولكننا نعتقد أن فيما قدمناه من أقوال لشيخ الإسلام ابن تيمية و ابن رجب والشاطبي وابن حجر وابن النحاس يكفي لطلاب الحق وأهل النصف.
نعم إن أقوالهم تدل على أن البدعة بدعة، مهما كان لها من الحسن في الظاهر، وأن النصوص الواردة في التحذير عنها عامة في تناول كل بدعة مهما كانت، وأن تقسيم البدعة إلى حسن ومذموم هو تقسيم من حيث اللغة، فالبدعة الحسنة عندهم ليست في الواقع بدعة، وإنما هي في الدين ومن الشرع، ومن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن سموها بدعة فمقصودهم المعنى اللغوي كقول عمر رضي الله عنه في إقامة صلاة التراويح جماعة: نعمت البدعة هذه.
و ذكروا رحمهم الله نماذج للبدع اللغوية مما له أصل في الشريعة الإسلامية كتدوين العلوم وجمع المصاحف وإنشاء الأربطة والمدارس ونحو ذلك، ولم يذكروا أن الموالد والصلوات المحدثة كصلاة الرغائب، وصلاة الفاتح لما أغلق ونحو ذلك من المحدثات في الدين ; لم يذكروا أن هذه الأنواع من البدع الحسنة، بل نصّوا على أنها من البدع المنكرة والمذمومة والسيئة كما مرت النقول بالتصريح بذلك. كما نصوا على أن كل أمر لا تقف معه النصوص الشرعية، فهو محدث وضلالة، وأصحابها في النار، وإن كان ظاهرها الحسن، وإن لم يكن لها من الخلفيات والمردودات السيئة شيئ، فيكفي لردها نية الابتداع، فكيف إذا صاحب البدعة أمور منكرة، كاختلاط الرجال بالنساء، واستعمال لمختلف أنواع المعازف، والإسراف في الموائد المنشورة لرواد هذه الاحتفالات والاستجداء بهذه الموالد حسبما ذكره ابن النحاس في كتابه (تنبيه الغافلين) ، و نقله عن ابن الحاج من مدخله، بل ما يتأتى في هذه الاحتفالات من المدائح النبوية المليئة بالغلو والتنطع والإفراط، حتى إنها لترفع ممدوحها إلى مقام الربوبية والألوهية، كما هو الحال في الموالد، وإن نفي ذلك المالكي.
وعلى سبيل التنزل مع المالكي في أن موالده تخلو من الاختلاط والمنكرات في المشارب والمآكل، فإنه يقول ويدافع عن القول بحضور الحضرة النبوية عند التحدث في شأن ولادته صلى الله عليه وسلم، ويقرر جواز القيام للحضور الوهمي، وهذه عقيدة سيئة تفتح أبواب الدجل على العامة على أوسع مصاريعها، وتعطي لأهل الطرق مجالات واسعة في أفساد عقائد العامة، وجعلهم أكثر سرعة إلى تصديق الترهات والخرافات