فهرس الكتاب
(هذا الباب يضطر إلى الكلام فيه عند النظر فيما هو بدعة وما ليس ببدعة، فإن كثيرًا من الناس عدوا أكثر المصالح المرسلة بدعًا، ونسبوها إلى الصحابة و التابعين، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات. وقوم جعلوا البدع تنقسم بأقسام أحكام الشريعة، فقالوا: إن منها واجب ومندوب، وعدوا من الواجب كتب المصحف وغيره، ومن المندوب الاجتماع في قيام رمضان على قارئ واحد. وأيضًا فإن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، ولا كونه قياسًا بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، وهذا بعينه موجود في البدع المستحسنة، فإنها راجعة إلى أمور في الدين مصلحية - في زعم واضعيها - في الشرع على الخصوص، وإذا ثبت هذا فإن كان اعتبار المصالح حقا ; فاعتبار البدع المستحسنة حق، لأنهما يجريان في واد واحد، وإن لم يكن اعتبار البدع حقا ; لم يصح اعتبار المصالح المرسلة) - إلى أن قال - (فلما كان هذا الموضع مزلة قدم لأهل البدع، أن يستدلوا على بدعتهم من جهته، كان من الحق المتعين النظر في مناط الغلط، الواقع لهؤلاء، حتى يتبين أن المصالح المرسلة ليست من البدع، في ورد ولا صدر بحول الله، والله الموفق فنقول: المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشهد الشرع بقبوله، فلا إشكال في صحته ولا خلاف في إعماله، وإلا كان مناقضة للشريعة، كشريعة القصاص حفظًا للنفوس والأطراف، وغيرها.
والثاني: ما شهد الشرع برده فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي الحكم لنفسها، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلي، بل إذا ظهر المعنى، وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام ; فحينئذ نقبله، فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم رعايته، في حق الخلق في جلب المصالح ودرء المفاسد لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل برده ; كان مودودًا باتفاق المسلمين. ومثاله ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء، أنه دخل على بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين متتابعين، فلما خرج راجعه بعض الفقهاء، وقالوا له: القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل به إلى الصوم، والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك عبيدًا غير محصورين. فقال لهم: لو قلت عليك إعتاق رقبة لاستحضر ذلك وأعتق