فهرس الكتاب
عبيدًا مرارًا، فلا يزجره إعتاق الرقبة، ويزجره صوم شهرين متتابعين. فهذا المعنى مناسب لأن الكفارة مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا يزجره إلا صوم شهرين متتابعين. وهذه الفتيا باطلة لأن العلماء بين قائليّن قائل بالتخيير، وقائل بالترتيب، فيقدم العتق على الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة إلى المفتى لا قائل به) - إلى أن قال: -
(الثالث: ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه، فهذا على وجهين، أحدهما: ألا يرد نص على وفق ذلك المعنى، كتعليل منع القتل للميراث بالمعاملة، بنقيض المقصود، وعلى تقدير أن لم يرد نص على وفقه، فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالنص، ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، فلا يصح التعليل بها، ولا بناء الحكم عليها باتفاق ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله. والثاني: أن يلائم تصرفات الشارع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة، بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة) ، - ثم ذكر عشرة أمثلة لتوضيح ذلك، ثم قال:(فهذه أمثلة عشرة، توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة، وتبيّن لك اعتبار أمور:
أحدها: الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله، ولا دليلًا من دلائله.
الثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها، وجرى على وفق المناسبات المعقولة، التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصيام والصلاة في زمان مخصوص دون غيره، ونحو ذلك فليتأمل الناظر الموفق، كيف وضعت على التحكم المحض المنافي للمناسبات التفصيلية.
ألا ترى أن الطهارات على اختلاف أنواعها قد اختص كل نوع منها بتعبد مخالف جدًا لما يظهر لبادئ الرأي، فإن البول والغائط خارجان نجسان يجب بهما تطهير أعضاء الوضوء دون المخرجين فقط، ودون جميع الجسد، فإذا خرج المنى أو دم الحيض وجب غسل جميع الجسد، دون المخرج فقط، ودون أعضاء الوضوء ... ثم التراب ومن شأنه التلويث، يقوم مقام الماء الذي من شأنه التنظيف).
ثم استمر رحمه الله في استعراض أنواع العبادة، من صلاة وصوم وحج وغير ذلك من أنواع العبادة، وأوضح أن التشريع فيها أمر تعبدي لا يعقل فيه معنى تفصيلي، ثم ذكر الأمر الثالث بقوله: