فهرس الكتاب
الواقع أن العلماء وحمهم الله لم يهملوا هذه المسألة بل بحثوها وحققوها تحقيقًا ظهر منه ما يعتبر بدعة ومالا يعتبر بدعة. وقد سبق أن قدمنا في الفصل التمهيدي للدخول مع المالكي في مناقشة أدلته وردها ; قدمنا نصوصًا لأهل العلم والمحققين منهم أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي والعز بن عبدالسلام وابن رجب، وغيرهم مما يغني عن إعادته.
تحدثوا رحمهم الله البدعة وعن الإحداث في الدين، وفندوا رأي من يقسم البدعة إلى حسن وقبيح، وذكروا رحمهم الله أن النصوص النبوية في رد البدعة والتحذير منها نصوص عامة شاملة، لا يمكن أن يخرج من أجزائها أو أفرادها ما يعتبر حسنًا مشروعًا، لما في ذلك من الخلل والخطأ، والبعدعن روح التشريع، من إتهام الدين بالنقص والرسول بالتقصير في أداء الرسالة، و زعزعة الإيمان بمقتضى مدلول قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسَْلامَ دِينًا} [1] . ولا شك أن ما أحدث فينبغي عرضه على أدلة الشرع، فما اشتمل على مصلحة ظاهرة، وأدلة الشرع العامة تؤيده وتدعو إليه، كالرد على أهل الزيغ والبدع والضلال، والنظر فيما يحفظ كتاب الله من جمع ونشر، وتصنيف علوم القرآن واللغة والحديث، ونحو ذلك مما تؤيده القواعد العامة للتشريع ; فهذا ليس من قبيل الابتداع، ولا نقول بأن السلف الصالح لم يكن على عهد به، وقد أحدث بعدهم، فالعبرة من هذه الأمور المستحدثة بنتائجها، ولا شك أن نتائجها محصلة لدى سلفنا الصالح، فكتاب الله في صدروهم، وهم أهل اللغة سليقة، فليسوا في حاجة إلى علوم اللغة، إلى أن اختلت ألسنة أولادهم، بحكم اختلاطهم بالأعاجم، فأشار الخليفة الراشد على بن أبي طالب رضي الله عنه بإيجاد علم النحو لحفظ اللسان العربي، ثم تتابعت علوم القرآن واللغة تحقيقًا لضرورة العناية بكتاب الله حفظًا وتعلمًا وتعليمًا، ورد سلفنا الصالح على أهل الزيغ والضلال حاصل منهم بالفعل، فقد ردت عائشة رضي الله عنها على الحرورية، ورد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على غلاة الشيعة، وأصل ذلك تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من دعاة السوء والضلال، من خوارج وغيرهم، وأنه إن أدركهم ليقاتلنهم.
ولا نقول بأن إيقاف الربط ليس له عهد لدى سلفنا الصالح، فأين المالكي عن الصفة وأهل الصفة، فهي رباط على فقراء الصحابة، وهي أصل في مشروعية وقف الأربطة على الفقراء. ولا نقول بأن المدارس محدثة،
(1) - سورة المائدة، الآية 3.