فهرس الكتاب
التي لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلم، ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف، وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح، وكختم المصحف فيها، وكقرآءة دعاء ختم القرآن، وكخطبة الإمام ليلة سبع وعشرين في صلاة التهجد وكنداء المنادي بقوله: صلاة القيام أثابكم الله، فكل هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السلف، فهل يكون فعلنا له بدعة؟.
هذا الدليل لنا مع صاحبه عدة وقفات:
الوقفة الأولى: عند قوله ليست كل بدعة محرمة.
هذا القول قد تكرر منه عدة مرات في أدلته السابقة، وتكررت منا الإجابة عليه تبعًا لتكرار إيراده، ونقتصر الآن على القول بأننا لا نسلم للمالكي قوله: ليست كل بدعة سيئة، وسبق أن ذكرنا أقوال المحققين من أهل العلم في ذلك أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن رجب والشاطبي والعز بن عبدالسلام، وردهم على من يقول بقول المالكي، بتقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، وتمسكهم بعموم النصوص الدالة على الشمول والإطلاق، وانتفاء التخصيص أو القيد. وذكرنا أن مَن يقسم البدعة إلى خمسة أقسام، لا يعني بالأقسام الأربعة: الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة ; البدعة الشرعية، وإنما يعني بذلك البدعة اللغوية، بدليل أن أمثلة الأقسام الثلاثة مندرجة تحت نصوص عامة، وخاصة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقسم الرابع وهو الإباحة لا تعلق له بالدين، وإنما هو من أمور العباد الدنيوية المندرجة تحت قوله صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بشئون دنياكم. أما القسم الخامس وهو المحرم; فهو البدعة الشرعية بعينها، سواء كان تحريمها لمخالفتها السنة، أو لانتفاء مشروعيتها من الأدلة الشرعية العامة، أو لخلوها من المصلحة كما هو الحال في الموالد والاحتفال بها، فهي مخالفة للسنة لكونها مما لم يكن عليه أمر هذا الدين في الصدر الأول من الإسلام، ولا شتمالها على المدائح النبوية المشتملة على الغلو والإطراء والإفراط، وقد تواترت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، على التزام القصد في الثناء، والنهي عن الغلو والتنطع، ومجاوزة الحد في المدح، وحماية جناب التوحيد ; من أن يأتي العباد في تصرفاتهم بما يخدش كمال التوحيد. كما أن المصالح الشرعية منتفية عنها، و فيها من المضار والمنكرات