الصفحة 129 من 193

3 ـ الحدوث ويستلزمان العدم؛ وهذا ينافي اسم الأوّل والآخر، قال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3] ، روى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ ) ) [1] .

كما أنّهما يدلاّن على المجانسة، وينافيان عموم ملك الربّ، وربوبيّته لكلّ شيء، يقول القرطبي: (( الولديّة تقتضي الجنسيّة والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانيّة والثّبوت؛ فهو سبحانه القديم الأزليّ، الواجد، الأحد، الفرد الصّمد، الَّذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ثُمَّ إِنَّ البنوّة تنافي الرقّ والعبوديّة، فكيف يكون الولد عبدًا! هذا محال، وما أدّى إلى المحال محال ) ) [2] . وقد ضمّن القرطبيّ كلامه معظم سورة الإخلاص؛ لأنّها مشتملة على الأصل الكليّ لتنزيه الربّ عن الوالد والولد؛ وهو نفي المثل، ونفي النّقص؛ فإنّ اسم الأحد يتضمّن نفي المثل، وهذا يبطل أن يكون للربّ والد أو ولد؛ والفرع يماثل أصله، ولا يكون إلاّ بين أصلين متماثلين، قال تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النِّساء: 171] . واسم الصّمد يتضمّن إثبات الكمال المنافي للنّقص؛ فإنّ الوالد والولد ينافيان غنى الربّ، وقهره، وعموم ربوبيّته،

(1) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ: كتاب الذّكر والدّعاء، باب الدّعاء عند النّوم 17/ 36.

(2) تفسير القرطبي 2/ 85، وانظر: مدارج السّالكين لابن القيّم 1/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت