الصفحة 141 من 193

لمنافاته حكمته البالغة، وحمده، وكماله، ولكن يعرض لبعض النّفوس كثيرٌ من الشّكوك والظّنون؛ لقوّة الغفلة، وكثرة الشّبهات، واتّباع الشّهوات؛ ولهذا نزّه الله ذاته المقدّسة عن بعض مظاهر السّفه والعبث بأعيانها، ومنها: ـ

أوّلًا: الخلق لهوًا وعبثًا؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [1] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] ؛ وذلك لأنّ هذا الظنّ ينافي أسماء الربّ وصفاته؛ فالحكيم الحقّ منزّه عن أن يخلق شيئًا عبثًا أو سفهًا؛ لأنّ أفعاله حقّ؛ أي مطابقة للحكمة، ومفعولاته حقّ؛ أي متحقّقة وكائنة بعلم الله وحكمته؛ ولهذا كانت مشتملةً على الحكمة، وآيلة لها، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 73] ؛ فالحق سابق لخلقها، ومقارن له، وغاية له؛ ولهذا أتى بالباء الدالّة على هذا المعنى دون اللام المفيدة للغاية ليس غير؛

(1) هذا الظنّ لزم مشركي العرب من جهة إنكارهم للبعث؛ لأنّه من الحق الغائي، ومن أنكر بعض الحقّ لزمه إنكاره كلّه؛ لأنّه ما وصف الله بأنّه الحق المطلق من كلّ وجه وبكلّ اعتبار. انظر: بدائع الفوائد لابن القيّم 4/ 165، 166، تفسير ابن كثير 4/ 32. وإذا كان هذا شأن مشركي العرب وحكمهم فكيف بمن ردّ الحقّ كلّه، وأنكر وجود اللّه، وكلّ ما بني على وجوده من معتقدات؛ كالماديين من الدّهريين، والشيوعيين، والوجوديين، وغيرهم. انظر: مروج الذّهب للمسعودي 1/ 126، 127، مذاهب فكريّة معاصرة لمحمّد قطب ص259، 605.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت