الصفحة 142 من 193

والحقّ السّابق للخلق صدورها عن علم الله وحكمته؛ ولهذا كانت كلّها حقًّا، أي متقنة، مطابقة للحكمة، لا نقص فيها ولا خلل، قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النّمل: 88] ، وقال: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السّجدة: 7] ، وقال: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، وهذا الإحكام والإتقان هو الحقّ المقارن للمخلوقات؛ ولهذا كانت أدلّة وبراهين على أصول الإيمان؛ لتقود النّاس للحقّ الغائي؛ وهو معرفة الربّ وعبادته، وإنجاز وعد الله لمن أطاعه، وإنفاذ وعيده فيمن عصاه [1] . واسم الحميد، والرّشيد، والجميل، كاسم الحقّ والحكيم في الدلالة على نفي العبث في الخلق، واستحالته؛ لأنّ هذه الأسماء الثلاثة تدلّ على كمال ذات الربّ وصفاته؛ وأنّ له من الأفعال أجملها، وأرشدها، وأحمدها، وهذا يحيل أن يكون في شيء من أفعال الله ـ تعالى ـ عبث أو سفه [2] .

ثانيًا: إهمال العباد؛ قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] ، وقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115، 116] ؛ أي تنزّه وتقدّس عن هذا الظنّ السيء؛ لأنّه عبث وسفه ينافي حكمته، وتحيله أسماؤه وصفاته، وأوّلها ما ذيّلت به الآية الثّانية من

(1) انظر: بدائع الفوائد لابن القيّم 4/ 161 ـ 165.

(2) انظر: الحقّ الواضح المبين لابن سعدي ص27، 22، 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت