الصفحة 88 من 193

، وأنّه يديل الباطل على الحقّ إدالةً مستقرّة يضمحلّ معها الحقّ إضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا. وهو سار في كثير من النّاس اليوم سريان الحمى في بدن المحموم؛ لضعف معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته؛ ولما يرونه لدى الغرب من تقدّم مادّي وحضاري في كثير من مجالات الحياة؛ ولما مني به المسلمون في العصر الحديث من خسائر مؤلمة في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، وغيرها. وهذا هو ظنّ السوء الَّذي ظنّه المشركون والمنافقون في عهد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] ؛ فقد فسّر هذا الظنّ بأنّ الله لا ينصر رسوله، وأنّ أمره سيضمحلّ، وأنّ ما أصابهم لم يكن بقضاء الله وقدره، ولا حكمة له فيه؛ وإنّما كان هذا ظنّ سوء لأنّه ظنّ غير ما يليق بأسماء الله الحسنى، وصفاته العلا، وذاته المبرأة من كلّ سوء.

وأكثر النّاس يظنّون بالله ظنّ السوء فيما يختصّ بهم، وفيما يفعله بغيرهم؛ فمن قنط من رحمة الله فقد ظنّ بربّه ظنّ السوء، وهكذا شأن من جوّز أن يعذّب أولياءه، أو يترك خلقه سدى، أو يحبط طاعة العمر المديد بكبيرة تكون بعدها، أو أنّ بين الله وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أندادًا يدعون مع الله، أو نفى علوّ الله على خلقه، واستواءه على عرشه، أو قال بالحلول، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت