الأولى: قال يومًا الشافعي لهارون الرشيد يا أمير المؤمنين، إن اليمن يحتاج إلى قاض، فقال له الرشيد اختر رجلًا نُوَلِّه إياه، فقال الشافعي لأحمد وكان يتردد عليه لطلب العلم: ألا تقبل قضاء اليمن يا أحمد ؟ فقال أحمد إنما أختلف إليك لطلب العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن آتي القضاء، ولولا العلم لما كلمتك بعد اليوم!!
فاستحى منه الشافعي وسكت.
إن رغبة أحمد عن الولاية وهي مما يتسابق الناس إليه ويتنافسون في الوصول عليه، بل مما يتقاتلون على طلبه والظفر به لم تكن إلا ورعًا منه؛ إذ طلب الولاية مباح، ولكن تركها أحمد وهي لا بأس بها خشية الوقوع فيما به بأس.
والثانية: أنه جاع ثلاثة أيام؛ لقلة ذات يده فاستقرض دقيقًا من أحد إخوانه ولمَّا وصل إلى أهله عرفوا حاجته إليه فأسرعوا في خبزه وإنضاجه ووجدوا تنورًا لولده صالح مسجورًا فأنضجوا قرص الخبز فيه، فلما قُدِّم إلى أحمد وكأنه لاحظ سرعة تقديم الخبز له فسألهم فأخبروه أنهم طبخوه في تنور صالح ولده وكان صالح يتقاضى راتبًا من الدولة فامتنع من أكله وواصل جوعه من ورعه.
فأي ورع أعظم من هذا الورع، أمن أجل أن ولده يأخذ الجوائز المالية من السلطان يمتنع من أكل خبز يطبخ في تنّوره المسجور، وهو ولده والولد وماله لوالده؟ فضرب أحمد بهذا رقمًا قياسيًّا في الورع لا يمكن أن يناله أحد سواه.
أما عن زهده ـ رحمه الله تعالى ـ فحدِّثْ ولا حرج، قال أبو داود ـ رحمه الله تعالى ـ كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط.
ولم يكن هذا منه ـ رحمه الله تعالى ـ إلا احتقارًا للدنيا وعدم التفات إليها؛ وذلك لقلتها وسرعة زوالها وهذا هو الزهد في الدنيا.