فهرس الكتاب
ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا ، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم ، وهو قياس ضعيف ؛ وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه ، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه ويغذي بدنه من ذلك الماء ، ويزول [ به ] 95 العطش ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء ،
لأن الماء إذا نزل لاشك أن الطعام الذي في المعدة يكون رقيقا ولينا وهذا بمنزلة الطبخ .
فلو لم يرد النص [ بذلك ] 96 لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب ، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم ، وذلك غير معتبر ، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر ، فليس هو مفطرًا ولا جزءًا من المفطر لعدم تأثيره ، بل هو طريق إلى الفطر ، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة ، فإن الكحل لا يغذي [ البتة ] 97 ولا يدخل أحد كحلًا إلى جوفه لا من أنفه ولا [ من ] 98 فمه ، وكذلك الحقنة لا تغذي [ بوجهٍ من الوجوه ] 99 ، بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئًا من المسهلات أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه [ وهي ] 100 لا تصل إلى المعدة .
والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه ، والله ـ سبحانه ـ قال:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ" [ البقرة: 183 ] ، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"الصوم جنة"، وقال:"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع [ والصوم ] 101"