الصفحة 2007 من 6525

ألا ترى أنه متصور صورة ما يحتذيه ، ثم يوقع الفعل مشابها له ، فالمحتذى عالم في الجملة ، ولكن علمه يحدث شيئا فشيئا .

فأما معنى الفصل فظاهر ، يقول عليه السلام: إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه ولا قدم له غيره ليحتذى عليه ، وأرانا من عجائب صنعته ومن اعتراف الموجودات كلها ، بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته ، ما دلنا على معرفته ضرورة ، وفى هذا إشارة إلى أن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر ، ولما كانت الموجودات كلها غيره سبحانه ممكنة لم تكن غنية عنه سبحانه ، بل كانت فقيرة إليه ، لانها لولاه ما بقيت ، فهو سبحانه غنى عن كل شئ ، ولا شئ من الاشياء مطلقا بغنى عنه سبحانه ، وهذه من خصوصية الالهية ، وأجل ما تدركه العقول من الانظار المتعلقة بها .

فإن قلت: في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبى عثمان ، في أن معرفته تعالى ضرورية .

قلت: يكاد أن يكون الكلام مشعرا بذلك ، إلا أنه غير دال عليه ، لانه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار ، ولكن قال ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، فالاضطرار راجع إلى قيام الحجة ، لا إلى المعرفة .

ثم قال عليه السلام: (وظهرت آثار صنعته ، ودلائل حكمته في مخلوقاته فكانت وهى صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده وربوبيته سبحانه ، وإلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال: فو عجبا كيف يعصى الاله * أم كيف يجحده الجاحد وفى كل شئ له آية * تدل على أنه واحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت