الصفحة 208 من 6525

[ قصة الشورى ] وصورة هذه الواقعة أن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة ، وعلم أنه ميت ، استشار فيمن يوليه الامر بعده ، فأشير عليه بابنه عبد الله ، فقال: لاها الله إذا لا يليها رجلان من ولد الخطاب ! حسب عمر ما حمل ! حسب عمر ما احتقب ، لاها الله ! لا أتحملها حيا وميتا ! ثم قال: إن رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش: على ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم .

ثم قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى - يعنى أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير منى - يعنى رسول الله صلى الله عليه وآله - ثم قال: ادعوهم لى ، فدعوهم ، فدخلوا عليه وهو ملقى على فراشه يجود بنفسه .

فنظر إليهم فقال: أ كلكم يطمع في الخلافة بعدى ! فوجموا ، فقال لهم ثانية ، فأجابه الزبير وقال: وما الذى يبعدنا منها ! وليتها أنت فقمت بها ، ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة .

-قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ: والله لو لا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة ، ولا أن ينبس منه بلفظه - .

فقال عمر: أ فلا أخبركم عن أنفسكم ! قال: قل ، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا .

فقال: أما أنت يا زبير فوعق لقس (1) ، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوما إنسان ويوما شيطان ، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير ! أ فرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعرى ، من يكون للناس يوم تكون شيطانا ، ومن يكون يوم تغضب ! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الامة ، وأنت على هذه الصفة .

ثم أقبل على طلحة - وكان له مبغضا منذ قال لابي بكر يوم وفاته ما قال في عمر - فقال له: أقول أم أسكت: قال: قل ، فإنك لا تقول من الخير شيئا ، قال: أما إنى أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد وائيا (2) بالذى حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) الوعق: الضجر المتبرم ، واللقس: من لا يستقيم على وجه .

(2) وائيا: غاضبا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت