فهرس الكتاب
من أقل منها استكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ، وزال عما قليل عنه .
كم من واثق بها قد فجعته ، وذى طمأنينة قد صرعته ، وذى أبهة قد جعلته حقيرا ، وذى نخوة قد ردته ذليلا ! سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، و أسبابها رمام .
حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم .
ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب ، وجارها محروب .
ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ، وأعد عديدا ، وأكثف جنودا ! تعبدوا للدنيا أي تعبد ، وآثروها أي إيثار ، ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع .
فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة ! بل أرهقتهم بالفوادح ، وأوهقتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون .
فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الابد .
وهل زودتهم إلا السغب ، أو أحلتهم إلا الضنك ، أو نورت لهم إلا الظلمة ، أو أعقبتهم إلا الندامة ! أفهذه تؤثرون ، أم إليها تطمئنون ، أم عليها تحرصون ! فبئست الدار لمن لم يتهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها ! فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنكم تاركوها ، وظاعنون عنها .
واتعظوا فيها بالذين قالوا: (من أشد منا قوة) (1) ، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا
(1) سورة فصلت 15 (*)