الصفحة 2643 من 6525

فإن قلت: فقد تطرأ على الانسان حالة يستصعبها قيود الموت لنفسه ، ولا يفكر فيما يتعقبه من الحياة التى تشير إليها ، ولا يخطر بباله ؟ قلت: ذاك شاذ نادر فلا يلتفت إليه ، وإنما الحكم للاعم الاغلب ، وأيضا فإن ذاك لا يلتذ بالموت ، وإنما يتخلص به من الالم ، وأمير المؤمنين قال: ما من شئ من الملذات إلا وهو مملول إلا الحياة وبين الملذ ، والمخلص من الالم فرق واضح فلا يكون نقضا على كلامه .

فإن قلت: قد ذكرت ما قيل في حب الحياة وكراهية الموت ، فهل قيل في عكس ذلك ونقيضه شئ قلت: نعم ، فمن ذلك قول أبى الطيب: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * * وحسب المنايا أن يكن أمانيا (1) تمنيتها لما تمنيت أن ترى * * صديقا فأعيا ، أو عدوا مداجيا وقال آخر: قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا: * * في الموت ألف فضيلة لا تعرف منها أمان لقائه بلقائه * * وفراق كل معاشر لا ينصف وقيل لاعرابي وقد احتضر: إنك ميت ، قال: إلى أين يذهب بى ؟ قيل: إلى الله ، قال: ما أكره أن أذهب إلى من لم أر الخير إلا منه .

إبراهيم بن مهدى: وإنى وإن قدمت قبلى لعالم * * بأنى وإن أبطأت عنك قريب (2) وإن صباحا نلتقي في مسائه * * صباح إلى قلبى الغداة حبيب وقال بعض السلف: مامن مؤمن إلا والموت خير له من الحياة ، لانه إن كان محسنا

(1) دوانه 4: 281 ، 282 .

(2) الكامل 4: 18 (طبعة نهضة مصر) (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت