فهرس الكتاب
فان قلت ما معنى قوله (لكان ذلك اهون على الخلق في الاعتبار ، وابعد لهم من الاستكبار) قلت أي لو كان الانبياء كالملوك في السطوة والبطش ; لكان المكلف لا يشق عليه الاعتبار والانزجار عن القبائح مشقته عليه إذا تركه لقبحه لا لخوف السيف ، وكان بعد المكلفين عن الاستكبار والبغى لخوف السيف والتاديب اعظم من بعدهم عنهما إذا تركوهما لوجه قبحهما ، فكان يكون ثواب المكلف ; اما ساقطا ، واما ناقصا .
الاصل: وكلما كانت البلوى والاختبار اعظم ، كانت المثوبة والجزاء اجزل ; الا ترون أن الله سبحانه اختبر الاولين من لدن آدم صلى الله عليه وسلم الى الاخرين من هذا العالم ; باحجار لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذى جعله الله للناس قياما ، ثم وضعه باوعر بقاع الارض حجرا ، واقل نتائق الدنيا مدرا ، واضيق بطون الاودية قطرا .
بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ; لا يزكو بها خف ، ولا حافر ولا ظلف ، ثم امر آدم عليه السلام وولده أن يثنوا اعطافهم نحوه ; فصار مثابة لمنتجع اسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الافئدة ، من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوى فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة حتى يهزوا مناكبهم ذللا ، يهللون لله حوله ، ويرملون على اقدامهم ، شعثا غبرا له ، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوهوا باعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله الله سببا لرحمته ، ووصله الى جنته .