الصفحة 4111 من 6525

الى غيرهم قصدوا الى معاجلته ، وتعاقدوا على أن يبيتوه في فراشه ، وان يضربوه باسياف كثيرة ، بيد كل صاحب قبيلة من قريش سيف منها ، ليضيع دمه بين الشعوب ، ويتفرق بين القبائل ، ولا يطلب بنو هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش ، وتحالفوا على تلك الليلة ، واجتمعوا عليها ، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك من امرهم ، دعا اوثق الناس عنده ، امثلهم في نفسه ، وابذلهم في ذات الاله لمهجته ، واسرعهم اجابه الى طاعته ، فقال له إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتنى هذه الليلة ، فامض الى فراشي ، ونم في مضجعي ، والتف في بردى الحضرمي ليروا انى لم اخرج ، وانى خارج إن شاء الله .

فمنعه اولا من التحرز واعمال الحيلة ، وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من انواع المكايد والجهات التى يحتاط بها الناس لنفوسهم ، والجاه الى أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من ايدى ارباب الحنق والغيظة ، فأجاب الى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه ، ونام على فراشه صابرا محتسبا ، واقيا له بمهجته ، ينتظر القتل ، ولا نعلم فوق بذل النفس درجه يلتمسها صابر ، ولا يبلغها طالب ، (والجود بالنفس اقصى غاية الجود) ، ولو لا أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم انه اهل لذلك ، لما اهله ، ولو كان عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه ، واختير لذلك ، لكان من اختاره صلى الله عليه وآله منقوضا في رأيه ، مضرا في اختياره ، ولا يجوز أن يقول هذا احد من اهل الاسلام ، وكلهم مجمعون على أن الرسول صلى الله عليه وآله عمل الصواب ، واحسن في الاختيار .

ثم في ذلك - إذا تأمله المتأمل - وجوه من الفضل: منها انه وان كان عنده في موضع الثقة ، فانه غير مامون عليه الا يضبط السر فيفسد التدبير بافشائه تلك الليله الى من يلقيه الى الاعداء .

ومنها انه وان كان ضابطا للسر وثقه عند من اختاره ، فغير مامون عليه الجبن عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت