فهرس الكتاب
يقول هذا على اعتقاد وجد ، ولم يذهب به مذهب اللعب والهزل ، أو على طريق التفاصح والتشادق واظهار القوة ، والسلاطة وذلاقة اللسان وحدة الخاطر والقوة على جدال الخصوم ، الم يعلم أبو عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان اشجع البشر ، وانه خاض الحروب ، وثبت في المواقف التى طاشت فيها الالباب ، وبلغت القلوب الحناجر ، فمنها يوم احد ، ووقوفه بعد أن فر المسلمون باجمعهم ، ولم يبق معه الا اربعة على والزبير ، وطلحة ، وابو دجانة ، فقاتل ورمى بالنبل حتى فنيت نبله ، وانكسرت سية قوسه ، وانقطع وتره ، فامر عكاشة بن محصن أن يوترها ، فقال يا رسول الله لا يبلغ الوتر ، فقال اوتر ما بلغ قال عكاشة فو الذى بعثه بالحق لقد اوترت حتى بلغ ، وطويت منه شبرا على سية القوس ، ثم اخذها فما زال يرميهم ، حتى نظرت الى قوسه قد تحطمت وبارز ابى بن خلف ، فقال له اصحابه إن شئت عطف عليه بعضنا فابى ، وتناول الحربه من الحارث بن الصمة ثم انتقض باصحابه ، كما ينتقض البعير ، قالوا فتطايرنا عنه تطاير الشعارير (1) ، فطعنه بالحربة ، فجعل يخور كما يخور الثور ، ولو لم يدل على ثباته حين انهزم اصحابه وتركوه الا قوله تعالى (إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في اخراكم) (2) ، فكونه عليه السلام في اخراهم وهم يصعدون ولا يلوون ، هاربين ، دليل على انه ثبت ولم يفر ، وثبت يوم حنين في تسعة من اهله ورهطه الادنين ، وقد فر المسلمون كلهم والنفر التسعة محدقون به والعباس آخذ بحكمة بغلته ، وعلى بين يديه مصلت سيفه ، والباقون حول بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله يمنة ويسرة ، وقد انهزم المهاجرون والانصار ، وكلما فروا اقدم هو صلى الله عليه وآله وصمم مستقدما ، يلقى السيوف والنبال بنحره وصدره ، ثم اخذ كفا من
(1) الشعارير: ما يجتمع على دبرة البعير من الذبان ، فإذا هيجت تطايرت عنها .
(2) سورة آل عمران 151 .