الصفحة 415 من 6525

ولكنه لما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات ، خاف من وقوع فتنة في الامامة ، وتقلب أقوام عليها ، امامن الانصار أو غيرهم ، وخاف أيضا من حدوث ردة ، ورجوع عن الاسلام ، فإنه كان ضعيفا بعد لم يتمكن ، وخاف من ترات تشن ، ودماء تراق ، فإن أكثر العرب كان موتورا في حياه رسول الله صلى الله عليه وآله لقتل من قتل اصحابه منهم ، وفي مثل ذلك الحال تنتهز الفرصة ، وتهتبل الغرة ، فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس بأن أظهر ما أظهره من كون رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمت ، وأوقع تلك الشبهة في قلوبهم ، فكسر بها شرة كثير منهم ، وظنوها حقا ، فثناهم بذلك عن حادث يحدثونه ، تخيلا منهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما مات ، وإنما غاب كما غاب موسى عن قومه ، وهكذا كان عمر يقول لهم: إنه قد غاب عنكم كما غاب موسى عن قومه ، وليعودن فليقطعن أيدى قوم أرجفوا بموته .

ومثل هذا الكلام يقع في الوهم ، فيصد عن كثير من العزم ، ألا ترى أن الملك إذا مات في مدينة وقع فيها في اكثر الامر نهب وفساد وتحريق ، وكل من في نفسه حقد على آخر بلغ منه غرضه ، إما بقتل أو جرح أو نهب مال ، إلى أن تتمهد قاعدة الملك الذى يلى بعده ، فإذا كان في المدينة وزير حازم الرأى ، كتم موت الملك ، وسجن قوما ممن أرجف نداء بموته ، وأقام فيهم السياسة ، وأشاع أن الملك حى ، وأن أوامره وكتبه نافذة ، ولا يزال يلزم ذلك الناموس إلى أن يمهد قاعده الملك الوالى بعده ، وكذلك عمر أظهر ما أظهر حراسة للدين والدولة ، إلى أن جاء أبو بكر وكان غائبا بالسنح ، وهو منزل بعيد عن المدينة ، فلما اجتمع بأبى بكر قوى به جاشه ، وأشتد به أزره ، وعظم طاعة الناس له وميلهم إليه ، فسكت حينئذ عن تلك الدعوى التى كان ادعاها ، لانه قد أمن بحضور أبى بكر من خطب يحدث ، أو فساد يتجدد ، وكان أبو بكر محببا إلى الناس ، لا سيما المهاجرين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت