الصفحة 759 من 6525

وسلم يقول: (إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فاخرج عنها) ، فلذلك خرجت ، فقال: فأى البلاد أحب إليك بعد الشام ؟ قال: الربذة ، فقال: صر إليها .

قال: وإذا تكافأت الاخبار لم يكن لهم في ذلك حجة ، ولو ثبت ذلك لكان لا يمتنع أن يخرجه إلى الربذة لصلاح يرجع إلى الدين ، فلا يكون ظلما لابي ذر ، بل يكون إشفاقا عليه ، وخوفا من أن يناله من بعض أهل المدينة مكروه ، فقد روى أنه كان يغلظ في القول ويخشن الكلام ، فيقول: لم يبق أصحاب محمد على ما عهد ، وينغر (1) بهذا القول ، فرأى إخراجه أصلح لما يرجع إليه وإليهم وإلى الدين ، وقد روى أن عمر أخرج عن المدينة نصر بن الحجاج لما خاف ناحيته ، وقد ندب الله سبحانه إلى خفض الجناح للمؤمنين ، وإلى القول اللين للكافرين ، وبين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه لو استعمل الفظاظة لانفضوا من حوله ، فلما رأى عثمان من خشونة كلام أبى ذر ، وما كان يورده مما يخشى منه التنغير فعل ما فعل .

قال: وقد روى عن زيد بن وهب ، قال: قلت لابي ذر رحمه الله تعالى ، وهو بالربذة: ما أنزلك هذا المنزل ؟ قال: أخبرك ، إنى كنت بالشام في أيام معاوية ، وقد ذكرت هذه الاية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (2) ، فقال معاوية: هذه في أهل الكتاب ، فقلت: هي فيهم وفينا ، فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك ، فكتب إلى أن اقدم على ، فقدمت عليه ، فانثال الناس إلى كأنهم لم يعرفونى ، فشكوت ذلك إلى عثمان ، فخيرني وقال: انزل حيث شئت ، فنزلت الربذة .

(1) ينغر: يصيح .

(2) سورة التوبة آية 34 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت