الصفحة 84 من 6525

نعلم كنه الباري سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة ، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون: إنا نعرف حينئذ كنهه ، فهو عليه السلام رد قولهم ، وقال: إنه لا وقت أبدا على الاطلاق تعرف فيه حقيقته وكنهه ، لا الآن ولا بعد الآن ، وهو الحق ، لانا لو رأيناه في الآخرة وعرفنا كنهه لتشخص تشخصا يمنع من حمله على كثيرين ، ولا يتصور أن يتشخص هذا التشخص إلا ما يشار إلى جهته ، ولا جهة له سبحانه .

وقد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف ب‍"زيادات النقضين (1) "، وبينت أن الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الاشعري لا بد فيها من إثبات الجهة ، وأنها لا تجري مجرى العلم ، لان العلم لا يشخص المعلوم ، والرؤية تشخص المرئي ، والتشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخص ذا جهة .

واعلم أن نفي الاحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع ، منها قوله تعالى:"ولا يحيطون به علما" (2) ومنها قوله:"ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير" (3) وقال بعض الصحابة: العجز عن درك الادارك إدراك ، وقد غلا محمد بن هانئ فقال في ممدوحه المعز أبي تميم معد بن المنصور العلوي: أتبعته فكري حتى إذا بلغت * غاياتها بين تصويب وتصعيد (4) رأيت موضع برهان يلوح وما * رأيت موضع تكييف وتحديد (5) وهذا مدح يليق بالخالق تعالى ، ولا يليق بالمخلوق .

فأما قوله:"فطر الخلائق ..."

"إلى آخر الفصل ، فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز ، فقوله:"فطر الخلائق بقدرته"من قوله تعالى:"قال من رب السموات والارض

(1) كذا في ب ، وفي أ:"زيادات التقصير"، ولم أعثر على ذكر له في كتب التراجم والفهارس .

(2) سورة طه 110 .

(3) سورة الملك 4 .

(4) ديوانه 210 .

(5) الديوان:"برهان يبين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت