ولو أن المنكر على الأئمة في كلامهم على الرواة وقف على ما فعله الكذابون وقلة حياتهم لما أنكر على الأئمة، فقد قال الأصمعي: «قيل للكذاب ما يحملك على الكذب؟ قال: لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته» ، وقال أيضًا «قال كذاب: إن رأيتُ من هو أكذب مني ندمت حسدًا له» ، وقال أيضًا: «قال أبي لرجل كان يعرف بالكذب: هل صدقت قط؟ قال: أكره أن أقول لا فأكون قد صدقت» ، ذكر ذلك كله العقيلي بإسناده إلى الأصمعي في مقدمة كتابه «الضعفاء الكبير» (1/10) .
إذا علمت هذا، فاعلم أن كلام الأئمة في الرواة ليس من باب الغيبة، ولكن من باب الحكم والنصيحة لهذه الأمة، وهم لا يتلذذون بأعراض المسلمين، حتى ذكر السخاوي «أن الراوي إذا كان فيه أكثر من علة فيبين منه علة واحدة، وهذا كاف في رد حديثه، أما ذكر بقية العيوب فيدخل في باب الغيبة» . اهـ بمعناه، وقد ذكر ابن رجب الحنبلي يرحمه الله في «شرحه لعلل الترمذي» طرفًا من ذلك وأجاد يرحمه الله فانظره من (ص85-61) .
ثم اعلم أيها القارئ أن الأصل في الأئمة أنهم لا يتركون حديث الرجل من أجل الهوى، بل يراجعون أنفسهم ويعلمون أن الله سائلهم عن هذا، فقد جاء في «المجروحين» لابن حبان ترجمة الحسن بن أبي جعفر الجفري، ساق ابن حبان إسناده إلى أبي بكر بن أبي الأسود، قال: «كنت أسمع الأصناف من خالي عبدالرحمن بن مهدي، وكان في أصول كتابه قوم قد ترك حديثهم، منهم الحسن بن أبي جعفر وعباد بن صهيب وجماعة نحو هؤلاء، ثم أتيته بعد ذلك بأشهر فأخرج إليّ كتاب الديات فحدثني عن الحسن بن أبي جعفر فقلت له: أليس كنت قد ضربت على حديثه؟ قال: يا بني تفكرت فيه فإذا كان يوم القيامة قام الحسن بن أبي جعفر فتعلق بي، وقال: يارب سل عبدالرحمن بن مهدي فيم أسقط عدالتي، وما كان لي حجة عند ربي فرأيت أن أحدث عنه» (1/237) .